بقلم: مادي جوباتي
لم يكن تجمع حزب الشعب الوطني (NPP) الذي أُقيم في سوكوتا يوم السبت مجرّد فعالية سياسية عادية، بل كان عرضًا مقلقًا للأنانية والتهجّم وانعدام اللباقة في أعلى مستويات القيادة السياسية. فقد تحوّل ما كان يُفترض أن يكون منصة لعرض الرؤى والسياسات الوطنية إلى مهرجان للشتائم والهجمات الشخصية والخطابات التحريضية الخطيرة. وما يزيد الأسف أن من قاد هذا المشهد هو رئيس الجمهورية نفسه.
في وقتٍ تواجه فيه غامبيا تزايدًا في الفقر والبطالة والهجرة غير النظامية الخطيرة، وتتصاعد فيه مشاعر الإحباط، يحتاج المواطنون إلى قادةٍ يوحّدون الصفوف ويقدّمون الحلول، لا إلى من يشعلون نار الانقسام. فالممارسة السياسية ينبغي أن تكون ساحةً لتبادل الأفكار والتنافس في البرامج والسياسات، لا ساحةً لتجريح الخصوم وتسفيه الحُكم وتطبيع الانحطاط السياسي.
*الرئاسة ليست ملكًا شخصيًا*
يجب أن يتذكّر الرئيس ووزراؤه أن الرئاسة ليست مشروعًا خاصًا، بل مؤسسة أنشأها الدستور وأُنيطت بها أمانة خدمة الشعب الغامبي. فالسلطة المخوّلة للرئيس ليست قوة شخصية، وإنما مسؤولية دستورية مفوَّضة. ومن ثمّ، فإنّ تحدّث الرئيس كما لو كان هو السيد المطلق يُعدّ تقويضًا خطيرًا لمبادئ الحكم الجمهوري.
القيادة الحقيقية تتطلّب التواضع أمام القانون واحترام الشعب. فكلمات الرئيس تحمل وزن الدولة، وينبغي أن تكون لبنةً للبناء لا للهدم، وأن توحّد لا أن تُقسّم، وأن تبعث الطمأنينة لا التحريض. فالرئيس الذي يتحدث كناشطٍ حزبيّ يعرّض هيبة منصبه للخطر ويزرع بذور الشقاق في الأمة.
*إساءة استخدام الخطاب السياسي*
في تجمع سوكوتا، سار كبار المسؤولين الحكوميين على نهج الرئيس نفسه. فقد انحدر وزير الإعلام الدكتور إسماعيل سيسي إلى مستوى خطير من الخطاب العدائي بوصفه زعيم حزب APP-سوبيا، عيسى فال، بالكاذب والمختلّ عقليًا. مثل هذه التصريحات لا تليق بمسؤول عام، بل تُعدّ خطاب كراهية سياسيًّا يلوّث النقاش العام ويُفرغ التنافس الديمقراطي من مضمونه.
كما كان من غير اللائق أن يسخر الوزير سيسي من الخلفية الأكاديمية للناطق باسم حركة الوحدة من أجل التغيير (UMC) كيمو بوجانغ. ففي الديمقراطية، لا تُقاس قيمة القائد بمكان أو مدة دراسته، بل بما يؤمن به ويقدّمه لشعبه. والأمر نفسه ينطبق على الوزير حمات باه، الذي وصف حزب المعارضة UMC بأنهم “تهديدات”، وهو تصريح غير مسؤول وخطير. فالأحزاب المعارضة في النظام الديمقراطي ليست تهديدًا، بل أطرافًا مشروعة في منظومة الحُكم والمساءلة.
*الخطاب الفارغ في بلدٍ يئنّ من المعاناة*
وكان مما زاد المشهد خيبةً غياب أي مضمون حقيقي في كلمات المتحدثين. فلم يتطرّق أحدٌ منهم إلى القضايا التي تمسّ المواطن الغامبي يوميًا: غلاء المعيشة، تدنّي الخدمات، بطالة الشباب، طريق “الباكواي” المميت، تفشّي الفساد، واتساع الفجوة الطبقية. وبدلًا من ذلك، استعرضوا قوائم مشاريع طرقٍ ومظاهر تباهٍ، متجاهلين معاناة الشعب الذي يدّعون خدمته.
القيادة ليست في تذكير الناس بما أنجزته الحكومة، بل في الاعتراف بمعاناتهم وشرح سبل التخفيف منها. إن تجاهل هذه الحقائق يزيد الفجوة بين الحاكم والمحكوم، ويعمّق فقدان الثقة في مؤسسات الدولة.
*التطبيع الخطير لخطاب الكراهية*
ما حدث في سوكوتا لا يعبّر عن سوء الأدب السياسي فحسب، بل يمثل خطرًا على الأمن الوطني. فعندما يستخدم القادة منابرهم للتهجّم والتهديد والإهانة، فإنهم يشجّعون أتباعهم على سلوك النهج نفسه، ويُطبعون الكراهية في الخطاب العام، مما يجعل العنف السياسي أكثر احتمالًا.
لذلك، لا يجوز للجنة الانتخابات المستقلة (IEC)، ولجنة حقوق الإنسان الوطنية (NHRC)، واللجنة المشتركة بين الأحزاب (IPC)، ومفتش الشرطة العام (IGP) أن يلتزموا الصمت. عليهم جميعًا أن يذكّروا كل الفاعلين السياسيين، بمن فيهم حزب الشعب الوطني، بأن حرية التعبير في السياسة لا تعني حرية الإهانة أو التحريض على الانقسام.
*على المجتمع المدني ألا يصمت*
إن صمت المجتمع المدني أمام هذا الانحدار في السلوك السياسي سيكون تواطؤًا. فالديمقراطية لا تُصان بالانتخابات فقط، بل بيقظة المواطنين الذين يطالبون بالمساءلة والاحترام والعدالة. يجب أن نقف جميعًا ضد الانزلاق إلى سياسة الإهانة والخوف. فغامبيا ملكٌ لنا جميعًا، لا لرجلٍ واحد ولا لحزبٍ واحد ولا لقبيلةٍ واحدة.
*دعوة إلى قيادة تتّسم بالكرامة*
القيادة الحقيقية لا تُقاس بعلوّ الصوت ولا بعدد المشاريع المعدودة، بل بكيفية معاملة الآخرين، وخاصة من يختلفون معنا. تحتاج غامبيا إلى قادةٍ يختلفون دون ازدراء، ويتنافسون دون تجريح، ويحكمون دون تعالٍ.
لقد كان تجمع سوكوتا تذكيرًا مؤلمًا بهشاشة ديمقراطيتنا، وبأنّ قادتنا كثيرًا ما ينسون القسم الذي أدّوه. لكنه أيضًا دعوة للمواطنين كي يطالبوا بما هو أفضل. يجب ألا نسمح لبلطجة الخطاب السياسي والعنف اللفظي بأن يحدّدا ملامح نقاشنا الوطني.
لقد آن الأوان لأن نطالب باللياقة والتواضع والاحترام في حياتنا السياسية، فذلك هو أساس الوحدة الوطنية والمعنى الحقيقي للديمقراطية.
- Log in to post comments
