Friday, March 14, 2025

تحديات البحث العلمي بالنموذج الغامبي

الاثنين, مارس 17, 2025
محلية ، مقال الرأي

بقلم الأخ فودي الحاج شيخ سيسي

الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الخلق حبيبنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن أيّ بحثٍ علميٍّ لا يخلو من صعوبات وتحديات ومشاكل، مهما كان موضوعه سهلًا، ومراجعه متوافرة، إذا كان بحثًا أكاديميًا صحيحًا، وهذا أمر معلوم لدى الجميع.

وعلى هذا، لا يختلف الأمر إذا كان موضوع البحث متعلقًا بدولة غامبيا، فالتحديات والصعوبات التي يواجهها الباحثون بالنموذج الغامبي تكون أحيانًا أكبر من المعتاد لأسباب وعوامل كثيرة، نذكر منها ما تيسر في هذا المقام:

التحدي الأول: قلة المصادر والمراجع الغامبية

دولة غامبيا، كغيرها من الدول الأفريقية، تعاني من قلة المؤلفات العلمية الخاصة بها مقارنة ببعض دول العالم التي تكتب بلغتها الأم وتدير بها شؤونها الإدارية والسياسية وغيرها.

عدم الكتابة بلغات وطنية يجعل التأليف صعبًا على كثير من الدارسين، لأن التأليف باللغة العربية والإنجليزية يحتاج إلى مهارة لغوية وفنية في النحو والصرف والبلاغة والإنشاء وغيرها، وهذا يشكل تحديًا لغويًا أمام المستعربين عند تأليف الكتب.
 

ومن أسباب قلة التأليف في غامبيا هو عدم التجربة والمحاولة من قبل الدارسين؛ فكثير من الباحثين يتكاسلون عن التأليف ولا يغامرون في هذا الميدان العريق، بدعوى عدم توفر الوقت المناسب للبحث، أو عدم وجود مواضيع مناسبة ومصادر متاحة، وهذا ما أدى إلى عزوف الطلبة عن البحث حول النموذج الغامبي.

ومن الضروري تصحيح هذه المفاهيم الخاطئة لدى العلماء والطلبة الباحثين، وتشجيعهم على خوض غمار البحث العلمي حول غامبيا، سواء كان ذلك متعلقًا بدينها، أو عاداتها، أو تقاليدها، أو تاريخها، أو سياستها، أو إدارتها.

التحدي الثاني: توثيق المصادر والمراجع الشفهية

تُعدُّ الرواية الشفهية من أنواع المصادر والمراجع العلمية، إلا أنها ليست بقوة المراجع المكتوبة من حيث الاعتماد عليها في البحث.

لكن هذا لا يعني أن كل ما هو مكتوب صحيح، أو أن ما هو غير مكتوب خطأ، بل إن اختلاف الروايات الشفهية يجعلها في بعض الأحيان ضعيفة وغير موثوقة.

ومن الأركان الأساسية في البحث العلمي توثيق المعلومات التي يستند إليها الباحث، وعدم نسبة أقوال الغير إلى نفسه؛ لأن ذلك يُعدُّ انتحالًا علميًا، وقد يؤدي إلى رفض البحث بالكامل إذا ثبت ذلك.

هناك الكثير من المعلومات الشفهية المتداولة بين السكان حول تاريخ غامبيا، سواء في الحقبة التي سبقت الاستعمار الأوروبي أو أثناءه أو بعده.

فقبل مؤتمر برلين (1884-1885م)، الذي تم فيه تقسيم الدول الإفريقية بين القوى الاستعمارية الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، بلجيكا، إسبانيا وغيرها)، كانت غامبيا منطقة منقسمة بين الممالك التقليدية التي يقودها الحكام التقليديون، قبل أن تصبح دولة موحدة تحت نظام سياسي واحد في عام 1902م.

هذه الأحداث التاريخية تُعدُّ مصدرًا مهمًا للطلبة الراغبين في دراسة التاريخ الإفريقي بعيدًا عن الروايات الأوروبية المتحيزة التي تحاول تبرير الاستعمار وشيطنة الأفارقة.

لكن توثيق هذه المعلومات الشفهية يمثل تحديًا كبيرًا، بسبب تضارب الروايات واختلافها من شخص إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى.

لذا، على المؤرخين بذل قصارى جهدهم في توثيق هذه المعلومات الشفهية حتى تكون هناك رواية غامبية وأفريقية موثوقة يعتمد عليها الباحثون في مجالات مختلفة.

التحدي الثالث: الترجمة

من أبرز التحديات التي تواجه البحث العلمي بالنموذج الغامبي هو الترجمة.

اللغة الرسمية في غامبيا هي اللغة الإنجليزية، وجميع الوثائق الرسمية والدستور والقوانين مكتوبة بالإنجليزية، ما يجعل الأمر صعبًا على الباحثين المستعربين عند البحث حول النظام السياسي والتاريخ والإدارة والقوانين في غامبيا.


 

لذلك، إذا أراد الباحث المستعرب إجراء بحث علمي أكاديمي حول الشؤون السياسية أو الإدارية في غامبيا، فعليه ترجمة الكثير من المعلومات من الإنجليزية إلى العربية ترجمة صحيحة ودقيقة، وهو ما يتطلب معرفة جيدة باللغة الإنجليزية لتجنب الأخطاء الإملائية واللغوية والمعنوية.

أما إذا كان الباحث ضعيفًا في اللغة الإنجليزية، فعليه الاستعانة بمن يجيد اللغتين العربية والإنجليزية، لأن معظم المصادر في غامبيا مكتوبة باللغة الإنجليزية.
 

معرفة اللغة الإنجليزية تمنح الباحثين ميزة الاطلاع على مصادر ومراجع أوسع، وتشجعهم على التعمق في البحث العلمي حول غامبيا في مختلف المجالات.

الخاتمة
في الختام، أشجع الطلبة الباحثين على اختيار مواضيع متعلقة بغامبيا، سواء في مجالات التاريخ، أو السياسة، أو الإدارة، أو القوانين، ومواجهة هذه التحديات بشجاعة.

ينبغي أن يكون الهدف هو تأسيس رواية غامبية وأفريقية موثوقة حول تاريخ البلاد، بعيدًا عن التشويه الاستعماري، حتى تصبح هذه الرواية أساسًا للأجيال القادمة، وتكشف الحقائق التي يسعى الاستعمار إلى طمسها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.