Monday, June 29, 2026

الشيخ أحمد شرنو درامي: عالمٌ رباني، مجددٌ ومربٍّ، صانع نهضة علمية

محلية ، مقال الرأي

                                                                      21  رمضان 1446هـ

*مدخل: رجالٌ يحملون الرسالة حتى الرمق الأخير*

في التاريخ رجالٌ لا تكتب أسماؤهم على جدران القصور، ولا تتصدر عناوين الصحف، لكنّ أفعالهم تظل محفورةً في وجدان الأمم، وأثرهم يمتد عبر الأجيال. لم يعيشوا لأنفسهم، بل وهبوا حياتهم لدينهم وأمتهم، وقفوا في وجه التيارات الجارفة، لا تغريهم الدنيا بزخرفها، ولا تثنيهم المحن عن مسيرتهم.

إنهم أولئك الذين أيقنوا أن المجد لا يُبنى بكثرة المال، ولا بالمناصب والجاه، بل يُشيَّد على أكتاف المصلحين الذين يزرعون بذور الخير في الأرض، ويروونها بعرق الجهاد والتضحية، حتى تثمر أجيالًا تحمل المشعل من بعدهم.

ومن هؤلاء العظماء كان الشيخ أحمد شرنو درامي، الرجل الذي لم يكن مجرد عالمٍ يجلس بين كتبه، بل كان حركةً متدفقةً من العلم والتربية والدعوة والإصلاح. حياته لم تكن رحلةً عادية، بل كانت مشروعًا ممتدًا لبناء العقول، وتربية النفوس، وإيقاظ الهمم.

رحل الجسد، لكن الفكرة لم ترحل، غاب الصوت، لكن صدى كلماته ما زال يدوّي في آفاق غامبيا وخارجها. ترك خلفه آلاف الطلاب، وحلقات علمٍ لا تزال تضيء العقول، ومؤسسات تعليمية تشهد على إخلاصه وجهده. والأهم من ذلك، ترك مشروعًا لم يكتمل، مركزًا لتحفيظ القرآن الكريم، كان يحلم أن يكون منارةً، لكنه ترجل قبل أن يراه قائمًا.

فكيف عاش هذا الرجل؟ وما الدروس التي يمكن أن نستقيها من سيرته العطرة؟ وكيف نوظف إرثه في واقعنا اليوم؟

*رحلة البناء: حين يكون العلم رسالةً لا وظيفة*

منذ نعومة أظفاره، أدرك الشيخ درامي أن الجهل هو العدو الأكبر للأمة، وأن النهضة لا تقوم إلا على العلم الصحيح المستمد من منابع الشريعة الصافية. ولهذا، سلك طريق طلب العلم بحزمٍ وإصرار، حتى تخرج في #الأزهرالشريف، حيث نهل من علوم الشريعة واللغة، وتشرب الفهم العميق للدين.

لكنه لم يكن عالمًا يحفظ النصوص فحسب، بل كان يرى في التعليم سلاحًا، وفي الدعوة مسؤوليةً، وفي الإصلاح ضرورةً. عاد إلى غامبيا، وبدأ رحلة البناء، فكان له دورٌ محوري في تأسيس الاتحاد الإسلامي في غامبيا، والمعهد الإسلامي ببريكاما، الذي أصبح اليوم منارةً علمية خرّجت آلاف الطلاب الذين انتشروا في العالم يحملون مشعل الدعوة والعلم.

لم تكن جهوده مجرد عملٍ إداري، بل كان يُربي الطلاب بنفسه، ويهتم بتكوينهم العلمي والروحي، ويرسّخ فيهم العقيدة الصحيحة، وحب العلم، وتحمل مسؤولية الإصلاح.

لكن قلبه كان متعلّقًا بمشروع آخر، مركز لتحفيظ القرآن الكريم، كان يراه حصنًا يحمي الأجيال القادمة من الأمية الدينية، لكنه رحل قبل أن يكتمل البناء، وكأنما أراد أن يترك لأحبائه رسالة: "إن لم أُكمله بيدي، فأكملوه أنتم بقلوبكم وإرادتكم."

*إنجازاته العلمية والدعوية: نورٌ يشع في الأفق*:

لم يكن الشيخ درامي مجرد معلم، بل كان رائدًا من رواد النهضة الإسلامية في غامبيا، ترك بصمته في مختلف الميادين:

*رئاسته للمجلس الإسلامي* الأعلى في غامبيا، حيث قاد عملية إصلاح وتجديد ديني واسع، أسهم في توحيد الصفوف، وتعزيز التعليم الإسلامي.

*تأسيس الأمانة العامة للتعليم* الإسلامي العربي في غامبيا، التي تشرف اليوم على أكثر من 500 مدرسة نظامية، وأكثر من 700 مركز لتحفيظ القرآن الكريم، مما جعلها مؤسسةً رائدةً في نشر العلم.

*برامجه الإذاعية الأسبوعية* ، حيث كان يُقدّم التوعية للمسلمين مساء كل جمعة، يعالج القضايا الفكرية والاجتماعية، ويرد على الشبهات، ويهدي الناس إلى طريق الصواب.

*مواقفه الثابتة: صوت الحق في وجه الباطل*

لم يكن الشيخ درامي مجرد واعظٍ ينقل النصوص، بل كان فارسًا في ساحات الفكر، صاحب مواقف قوية وحازمة، لا يخشى في الله لومة لائم، ومن أبرز مواقفه:

*تصديه للعلمانية* ، وتأكيده على أن الإسلام ليس مجرد شعائر، بل نظام حياة كامل.

*رفضه لمشروع المثلية الجنسية* في البرلمان الغامبي، وكان صوته من أقوى الأصوات التي تصدت لهذا المشروع بالحجة والمنطق.

*تفنيده لأباطيل القاديانية* ، حيث دخل في مناظرات معهم، وبيّن زيف عقيدتهم، ودعاهم إلى ترك اسم الإسلام.

*مواجهته للجماعات المتطرفة* مثل داعش وبوكو حرام، وتأكيده أن الإسلام دين الرحمة والعدل، وليس العنف والإرهاب.

*تحذيره من الموضات* الأوروبية الجديدة التي تهدف إلى هدم أخلاق الشباب، وتصحيحه للمفاهيم الخاطئة التي انتشرت بين المسلمين.

*صفاته الشخصية:* عالم زاهد ومربٍ حكيم

كان الشيخ أحمد شرنو درامي عالمًا، لكنه لم يكن منعزلًا عن الناس، بل كان قريبًا منهم، يخدمهم، يعلّمهم، يوجههم، وكان يتميز بعدة صفات جعلته محبوبًا بين طلابه ومجتمعه:

*الزهد والتواضع* : لم يكن يبحث عن الدنيا، بل كان همه الآخرة، ورسالته الإصلاح.

*العدل والإنصاف* : لم يفرق بين طلابه، يعامل الجميع بالسوية، ولا يجامل في الحق.

*الدقة في البحث عن الحق* : كان لا يقبل أي رأي إلا بعد التحقق منه، وكان يتحرى الصواب في كل فتوى أو تعليم.

*حبه للعلم والبحث* : كان لديه مكتبة علمية غنية في بيته، يقضي فيها الساعات في البحث والدراسة.

*عبادته وخشوعه* : كان له أوقات يخصصها للخلوة مع الله، لا يشغله عنها أي شيء، خاصة بعد صلاة العصر.
*دروس وعبر من حياة الشيخ درامي*

1 *. العلم رسالةٌ لا مهنة*:

لم يكن الشيخ درامي يرى العلم وسيلةً للجاه أو المنصب، بل كان رسالةً يحملها في قلبه وعقله، ويبذل في سبيلها وقته وجهده وماله. علمنا أن العالم الحق ليس من يحفظ النصوص فحسب، بل من يعيشها، ويجعلها نورًا يهدي به الناس، ويبني بها الأمم.

2 *. الثبات أمام إغراءات الدنيا*:

عرضت عليه الدنيا بكل إغراءاتها، أُتيحت له فرصة العيش في الغرب في رفاهيةٍ وراحة، لكنه رفض، لأنه أدرك أن رسالته ليست في الرفاه، بل في البناء والإصلاح. علّمنا أن القيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يقدمه لدينه وأمته.

3 *. الأولوية لبناء الإنسان قبل بناء البنيان*:

كان يمكنه أن يسعى وراء المشاريع الضخمة والمكاسب المادية، لكنه اختار بناء العقول والقلوب قبل الأبنية والصرح، لأنه كان يعلم أن المؤسسات تهدم إن لم تجد رجالًا يحمونها، لكن الإنسان الواعي قادرٌ على بناء أمته حتى لو كان في الصحراء.

4 *. الصدق والإخلاص مفتاح النجاح*

لم يكن يسعى للشهرة، ولم يكن ينتظر مقابلًا لما يفعل، لكنه ترك أثرًا خالدًا، لأن الإخلاص لله هو أساس البركة، وهو السر في أن تبقى الأعمال حتى بعد رحيل أصحابها.

5 *. العلم أغلى من الدنيا*

كان يقول: "من باع ثوبه ونعله ليشتري الكتب، سيصبح غنيًا بالعلم واللباس وغيره، لكن من باع كتبه ليشتري نعله، سيموت يومًا وهو يحتاج إلى النعل إذا لم ينتبه!". علمنا أن العلم كنزٌ لا يضاهيه شيء، وأن من يمتلكه يمتلك القوة الحقيقية.

*كيف نوظف هذه الدروس في واقعنا* ؟

1. *إكمال مشروعه في بناء مركز تحفيظ القرآن الكريم* : ليكن هذا المشروع تحديًا للأوفياء، ليحملوا أمانته، ويكملوا ما بدأه.

2 *. التمسك بالعلم الصافي* : علينا أن نحرص على طلب العلم من مصادره الصحيحة، وأن نحذر من الفوضى الفكرية والانحرافات العقائدية.

3 *. رفض الانجرار وراء المغريات* : كما صمد الشيخ أمام فتنة المال والراحة، يجب أن نتعلم الثبات أمام الفتن، وألا نضحي بمبادئنا من أجل مكاسب زائلة.

4. *نشر فكره وتربيته بين الأجيال القادمة* : من خلال إحياء منهجه التربوي في المدارس والمساجد والمراكز التعليمية، حتى يبقى أثره ممتدًا.

5 *. تحويل الإخلاص إلى منهج حياة* : علينا أن نكون صادقين في أعمالنا، لا ننتظر الشهرة أو الألقاب، بل نبحث عن الأثر الحقيقي الذي يبقى بعدنا.

*الخاتمة: رحيل الجسد وبقاء الرسالة*

في حياة العظماء، لا يكون الموت نهايةً، بل ولادةً جديدةً لمعاني التضحية والوفاء. لقد رحل الشيخ أحمد شرنو درامي، لكنّه لم يترك وراءه فراغًا، بل إرثًا ممتدًا في قلوب طلابه، وفي صفحات أفكاره، وفي صدى كلماته التي لا تزال تطرق أسماع الوعي، فتوقظ العزائم، وتشحذ الهمم.

لقد عاش عالمًا، لكنه لم يكن عالمًا تقليديًا يُكرّر الموروث، بل كان مجددًا يُحيي السنن، ويبعث في النفوس روح المسؤولية. عاش داعيةً، لكنه لم يكن مجرد خطيبٍ فوق المنابر، بل كان رجلًا يُجسّد دعوته في سلوكه، ويفرض احترامه بحكمته قبل كلماته. عاش مُربّيًا، لكنه لم يكن معلّمًا يلقّن، بل صانعَ رجالٍ، ومُهندسَ عقول، ومُلهِمَ قلوبٍ تعلّمت على يديه كيف يكون الإنسان لله ومع الله.

لقد كانت حياته سلسلةً من التحديات، انتصر فيها لأنه لم يكن يبحث عن مجدٍ شخصي، بل عن نهضة أمة. لم يكن نجاحه يُقاس بالأرقام، بل بالأرواح التي أنقذها من الضياع، والعقول التي حرّرها من ظلمات الجهل، والأجيال التي ربّاها على حب العلم والالتزام بالمبدأ.

وها هو اليوم، وإن غاب عن الدنيا، إلا أن أنفاسه لا تزال تُلهم المصلحين، وصورته لا تزال حاضرةً في عيون طلابه، وصوته لا يزال يتردّد في مساجد غامبيا ومدارسها، يذكّرهم بأنّ الرسالة لا تموت، وأنّ العظماء لا يُقاسون بسنوات حياتهم، بل بمدى اتساع أثرهم.

فيا من أحببتم الشيخ أحمد شرنو درامي، إنّ وفاءكم له ليس في الرثاء، ولا في الذكريات، بل في إكمال مسيرته، وتحقيق حلمه، وحمل الشعلة التي أضاءها بجهده وعرقه. لا تجعلوا مشروعه الأخير حلمًا لم يكتمل، ولا تتركوا رسالته تنطفئ في منتصف الطريق. فلنكن جميعًا أوفياء لما بدأه، ولنجعل من علمه صدقةً جاريةً تمتد إلى يوم الدين.

رحم الله الشيخ أحمد شرنو درامي، وأسكنه فسيح جناته، فإن غاب الجسد، فإنّ الروح لا تزال تُنير الدروب، والرسالة لا تزال تنتظر الأوفياء.                                                                          *إعداد الدكتور #باكرجايتي*
أحد طلبة الشيخ أحمد درامي- طيب الله ثراه