بقلم: الأخ فودي الحاج شيخ سيسي
تقدّم كثير من دول العالم منحًا دراسية مجانية للطلبة الأجانب، ولا سيما من دول العالم الثالث التي تقلّ فيها فرص التعليم المجاني، خصوصًا في مرحلة الدراسات العليا. ويقبل الطلبة على هذه المنح بفرح وسرور، لكونهم لا يجدون مثل هذه الفرص في أوطانهم الأصلية.
ولا شكّ أن الهدف الأساسي من هذه المنح هو التعليم وما يترتب عليه من فوائد علمية ودينية ومهنية وفنية، إضافة إلى مجالات التكنولوجيا والهندسة وغيرها. وهذا الهدف التعليمي معلوم لدى الجميع، غير أنّ وراءه أهدافًا أخرى خفيّة قد لا ينتبه إليها كثير من الناس. وفيما يلي نذكر بعضًا منها:
*أولًا: تكوين سفراء للدولة*
من أبرز أهداف الدول المانحة للمنح الدراسية تكوين ما يمكن تسميتهم بـ«السفراء غير الرسميين» لها. فغالبًا ما يصبح الطلبة الذين درسوا في دولة ما مدافعين عن سياساتها، ومروّجين لسمعتها، ومبرّرين لمواقفها في مختلف القضايا، عن وعي أو من دون وعي.
ففي غامبيا – على سبيل المثال – نجد أن من درس في إنجلترا يميل غالبًا إلى الدفاع عن السياسات البريطانية، ومن درس في الولايات المتحدة يدافع عن السياسة الأمريكية، ومن درس في السعودية يدافع عن سياساتها، وكذلك الحال مع من درس في الصين أو فرنسا أو روسيا، أو في ألمانيا وموريتانيا ومصر وليبيا وقطر وكندا وإسبانيا وإيطاليا وغيرها.
وهكذا يصبح كثير منّا سفراء للدول التي درسوا فيها من حيث لا يشعرون. وقد قال مسؤول أمريكي سابق:
«إن أقوى وأفضل سفراء للولايات المتحدة الأمريكية هم الذين تلقّوا تعليمهم في بلادنا».
*ثانيًا: نشر ثقافة الدولة*
من الأهداف غير المعلنة للمنح الدراسية أيضًا نشر ثقافة الدولة المانحة في مختلف أنحاء العالم، وتُعدّ المنح التعليمية من أسرع الوسائل لتحقيق ذلك؛ إذ يتأثر الطلبة بثقافة البلدان التي يدرسون فيها.
والواجب على الطلبة القادمين من الخارج أن يأخذوا من هذه الدول العلم لا الثقافة. فمن سافر للدراسة ينبغي أن يركّز على تحصيل العلوم النافعة، دينية كانت أو مهنية، لا على تقليد العادات والثقافات. غير أن الإنسان – كما قيل – «ابن بيئته»، ولا يكاد يسلم أحد من التأثر بالمحيط الذي يعيش فيه.
وهذا التأثر لا يقتصر على المجال التعليمي فحسب، بل يتعداه إلى أسلوب المعاملة والكلام واللباس والعادات، بل وحتى الزواج. وقد قال أحد علماء غامبيا – رحمه الله –:
«إذا ذهبتم إلى أي دولة للدراسة، فخذوا علومهم واتركوا ثقافتهم».
*ثالثًا: تعزيز العلاقات الدبلوماسية*
من بين أهداف المنح الدراسية كذلك تعزيز العلاقات الدبلوماسية بين الدول، والتأثير في مواقف الدول وقراراتها على الساحة الإقليمية والدولية.
فالدول الكبرى تستخدم وسائل متعددة لكسب الحلفاء، ومن أهم هذه الوسائل تقديم المنح الدراسية للدول الضعيفة أو النامية، من أجل ضمان تأييدها في القضايا الدولية، سواء كانت أزمات إقليمية أو نزاعات عالمية أو قرارات في المنظمات الدولية.
وكل من يتابع السياسة العالمية ويلاحظ مواقف الدول وقراراتها يدرك تمامًا أن المنح الدراسية تُعدّ إحدى أدوات كسب النفوذ وتعزيز العلاقات الدبلوماسية.
*الخاتمة*
للمنح الدراسية أهداف متعددة، إلا أن كثيرًا من الناس لا ينتبهون إلا إلى جانبها التعليمي، ويغفلون عن الأهداف الأخرى الكامنة وراءها.
ولا يخفى على من له أدنى إلمام بالقضايا الدولية أن المنح الدراسية التي تقدمها الدول المتقدمة للدول الضعيفة لا تقتصر على التعليم فحسب، بل تشمل أهدافًا أخرى، من بينها: تكوين سفراء للدولة، والدفاع عن سياساتها، ونشر ثقافتها، وتعزيز علاقاتها الدبلوماسية.
وأوصي الإخوة والأخوات الذين يسافرون للدراسة في الخارج – سواء إلى الدول الغربية أو العربية – أن يحرصوا على تحصيل العلم النافع، وأن يتجنبوا تبنّي الثقافات التي تخالف قيمنا ومبادئنا، ما لم يكن فيها خير أو مصلحة معتبرة.
ومن أبرز التحديات التي تواجه غامبيا اليوم صراع الثقافات الوافدة مع الثقافة الوطنية، وهو صراع ترك آثارًا سلبية في قضايا المجتمع المختلفة، وأسهم في نشوء مشكلات عديدة في الأسرة والزواج والمعاملات وغيرها.
- Log in to post comments
