Friday, March 6, 2026

الأسباب الكامنة وراء احتمال فشل المشروع التجريبي لتعليم اللغات القومية في غامبيا

الأحد, أبريل 27, 2025
، مقال الرأي

باسيديا  درامي

أثار إعلان وزارة التعليم الأساسي والثانوي في غامبيا عام 2023 بشأن المصادقة على سياسة تعليمية جديدة تهدف إلى دمج اللغات “المحلية” في النظام التعليمي حماسًا كبيرًا في أوساط النشطاء والمدافعين عن تعليم اللغات القومية الذين اعتبروا هذه الخطوة إيذانا بعهد جديد من التخلص من إرث الاستعمار الذي مازال جاثماً على صدر قارتنا الإفريقية.

أظهرت الأبحاث العلمية أن التعلم والتعليم باللغة الأم، لا سيما في المراحل المبكرة، يسهم بشكل ملحوظ في تعزيز مهارات القراءة والكتابة وتحسين النتائج التعليمية. وقد أشار الكاتب الكيني الشهير والمدافع البارز عن استخدام لللغات القومية الإفريقية انغوغي وا ثيونغو  في كتابه المعنون: ^إزاحة الاستعمار عن العقل الإفريقي" بأن التعلم باللغات الاستعمارية أدى إلى “طلاق، وانفصال، واغتراب”، مما أدى إلى قطع المتعلمين عن جذورهم الثقافية واللغوية.

وفي غامبيا، يُعد الاستمرار في استخدام اللغة الإنجليزية، وهي لغة أجنبية بالنسبة لغالبية الأطفال في منازلهم، عاملًا رئيسًا في تدني الأداء الدراسي للطلاب.

ومن المفارقة أن حكومة جاوارا، منذ الاستقلال في عام 1965، انتهجت سياسة تعليمية قائمة على استخدام اللغة الإنجليزية فقط، متخلية بذلك عن المبادرات التي كانت قائمة في الحقبة الاستعمارية والتي هدفت إلى دمج اللغات المحلية في التعليم. وتُظهر الأدلة التاريخية أن الإدارة الاستعمارية البريطانية قد اتخذت خطوات لترويج لغة الماندينكا كلغة مشتركة، بل وأطلقت برامج تجريبية في باكاليندينغ وكلية غامبيا. غير أن هذه السياسة أُلغيت بعد الاستقلال بدعوى تعزيز الوحدة الوطنية، وهو قرار أكده المؤرخ البارز حسوم سيسي في لقاء أجريته معه قبل ثلاثة أعوام.

ورغم موجة التفاؤل التي صاحبت تحديث سياسة التعليم عام 2023، سرعان ما برزت تحديات عملية خطيرة، كان أبرزها الاختيار المثير للجدل للغة الولوف، التي يتحدث بها نحو 15٪ من السكان، كلغة تجريبية، متجاهلة بذلك اللغات الأخرى وخاصة الماندينكا التي يتحدث بها أكثر  40٪ من السكان. وقد أثار هذا القرار موجة من الاستياء  أدى إلى تقديم التماس رسمي إلى وزارة التعليم الأساسي والثانوي. وقد جادل النقاد بأن هذا الاختيار لم يعكس الواقع الديمغرافي اللغوي للبلاد، مما ينذر بتهميش الأغلبية.

إن عملية الاختيار المعيبة هذه تكشف عن مشكلات هيكلية أعمق قد تهدد نجاح السياسة برمتها. وكان من الأجدر بغامبيا أن تستلهم التجارب من دول متعددة اللغات مثل جنوب أفريقيا، التي تعترف بأكثر من عشر لغات رسمية، أو كندا التي تتبنى اللغتين الإنجليزية والفرنسية كلغتين وطنيتين أو السويسرا أو بلجيكا، وكان ينبغي إجراء مسح لغوي شامل لضمان تمثيل عادل لجميع المجموعات اللغوية الرئيسة.

ولا تقتصر تحديات نجاح المشروع على مسألة اختيار اللغة وحدها. فبينما لا يُشترط الاقتصار على لغة محلية واحدة—كما يتضح من تجارب دول مثل جنوب أفريقيا وكندا—فإن إجراء مسح لغوي دقيق أمر بالغ الأهمية لتفادي تهميش متحدثي أي لغة معينة. وعلاوة على ذلك، فإن غياب الإرادة السياسية يُعد عقبة رئيسة، نظرًا لأن مثل هذه القرارات التحولية تستلزم إشراك أعلى مستويات الحكم، بالإضافة إلى مشاركة جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك أولياء الأمور.

ولضمان تنفيذ فعّال لهذه السياسة، تبرز الحاجة الماسة إلى تدريب المعلمين وتوفير المواد التعليمية المناسبة. ومن دون هذه الاعتبارات، سيظل المشروع مجرد إعلان نظري لا يترجم إلى تغيير ملموس. ومن الضروري أن يُتاح للأطفال التعلم بلغاتهم الأم بدءًا من مرحلة ما قبل المدرسة وحتى الصف السادس بدلا من الصف الأول إلى الثالث على الأقل لتحقيق الأهداف المنشودة. ولا يمكن لهذا المشروع أن يحقق وعوده في تحرير التعليم من إرث الاستعمار وتمكين المتعلمين الغامبيين إلا من خلال التخطيط الدقيق، والانخراط الحقيقي مع أصحاب المصلحة، والدعم السياسي القوي. وإن غابت هذه المقومات، فمن المرجح أن يتعثر المشروع ويبوء بالفشل.