بقلم: باسيديا درامي
هل نسي الأفارقة أم تناسوا التاريخ المؤلم للعبودية والاستعمار، أم أنهم قبلوا بالسردية التي تزعم أن المسؤولين عن تلك الحقبة باتوا رفاتاً، وأنه ينبغي أن نضرب الصفح عنهم ونطوي صفحة الماضي؟ قد أكون مخطئاً، لكن صباح اليوم تصفحت الصحف الغامبية الرائدة، لكني صدمت بل صعقت لعدم تخصيص أي منها الصفحة الأولى لنشر هذا القرار التاريخي الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن العبودية القائمة على الاتجار بالبشر.
.
يشكّل يوم الأربعاء الموافق 25 مارس 2026 مناسبة تاريخيّة نادرة للأفارقة السود الذين عانى أسلافهم ويلات العبودية على مدى أربعة قرون، من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر. فقد صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تصنيف نظام العبودية عبر الأطلسي باعتباره أخطر جريمة ضد الإنسانية، حيث أيد القرار 123 بلداً، بينما امتنعت 52 دولة، من بينها المملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، عن التصويت. في المقابل، عارضت ثلاث دول القرار، هي الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين. وقد تقدّمت غانا بالمبادرة، بدعم من الاتحاد الأفريقي والجماعة الكاريبية، في خطوة تتحدى التردد العالمي المزمن في مواجهة هذا التاريخ.
حتى مصطلح “تجارة الرقيق” يثير إشكالاً، إذ يوحي بقدر من الرضا أو القبول لم يكن قائماً أصلاً. فما حدث لم يكن تجارة بالمعنى الحقيقي، بل كان عملية منهجية لاعتقال البشر ونقلهم واستغلالهم. إن الاعتراف بالعبودية عبر الأطلسي بوصفها أخطر جريمة ضد الإنسانية يحمل دلالة عميقة، إذ يعزز الطرح القائل إن تخلف أفريقيا جنوب الصحراء متجذر في إرث العبودية والاستعمار. فبين عامي 1500 و1800، جرى أسر أكثر من 15 مليون أفريقي وتقييدهم ونقلهم عبر المحيط الأطلسي، مع تقديرات تشير إلى وفاة نحو مليوني شخص خلال “الرحلة الوسطى” وحدها.
ومع ذلك، لا تزال بعض القوى الاستعمارية السابقة تميل إلى النأي بنفسها عن هذا الماضي. ففي كلمته أمام الأمم المتحدة، قال ممثل المملكة المتحدة، جيمس كريوكي، إن “لا مجموعة واحدة من الفظائع ينبغي اعتبارها أكثر أو أقل أهمية من غيرها”، وهو موقف قد يفضي إلى تمييع الثقل التاريخي الخاص للعبودية عبر الأطلسي.
ولا تزال أفريقيا تعاني تبعات ونكبات هذا الإرث الثقيل من العبودية والاستعمار. ويقرّ القرار نفسه بأن آثار تلك المرحلة مستمرة في شكل تفاوتات عرقية وتخلف تنموي، تطال الأفارقة وذوي الأصول الأفريقية في مختلف أنحاء العالم. في ضوء ذلك، يتعين على الدول الأفريقية مواصلة المطالبة باعتذارات رسمية من الدول المعنية، ولا سيما المملكة المتحدة التي لعبت دوراً محورياً في هذا النظام. كما ينبغي أن يظل مطلب العدالة التعويضية في صدارة الأولويات، لمعالجة الأضرار الممتدة التي خلّفتها قرون من الاستغلال. ومن المهم أيضاً أن يدعو القرار إلى إعادة الممتلكات الثقافية التي نُهبت خلال الحقبة الاستعمارية إلى بلدانها الأصلية.
وأخيراً، يجدر التنويه بالدور القيادي الذي اضطلع به جون دراماني مهاما في الدفع بهذا المسعى وتعزيز الاعتراف بالمظالم التاريخية. فقد قال مخاطباً المجتمع الدولي: “ليُسجَّل أنه عندما نادانا التاريخ، قمنا بما هو صواب من أجل تخليد ذكرى الملايين الذين عانوا مذلة العبودية.”
- Log in to post comments
