بقلم: باسيديا درامي
عندما أعلن الرئيس الغامبي السابق يحيى جامي، في البداية، قبوله الهزيمة في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، أجرى اتصالا هاتفيا بالرئيس المنتخب آنذاك، أداما بارو، مهنئًا إياه بفوزه. وخلال ذلك الاتصال المقتضب، أسدى جامي إلى خلفه نصيحة واحدة قال فيها: “إياك أن تفرط في أمن غامبيا.” وبالنظر إلى ما آلت إليه الأوضاع، يبدو أن هذه كانت أهم نصيحة تلقاها الرئيس بارو.
واليوم، لا تزال غامبيا تواجه تحديات أمنية جسيمة، تتجلى في الارتفاع المقلق في جرائم القتل والسطو المسلح والاعتداءات العنيفة، وكثير منها يرتكبه أو يتورط فيه شباب حديثو السن. ففي شهر يونيو وحده، سُجلت خمس جرائم قتل على الأقل في بلد لا يتجاوز عدد سكانه نحو 2.6 مليون نسمة، وهو رقم يبعث على القلق في دولة بهذا الحجم.
ورغم هذه التطورات، يبدو أن الحكومة تقلل من خطورة الوضع. فقد صرّح المفتش العام للشرطة، سيدي مختار توري، مؤخرًا بأن معدل الجريمة الإجمالي انخفض بنسبة 7.29% خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. ورغم أهمية الإحصاءات الرسمية، فإن كثيرًا من المواطنين لا يزالون يشككون في هذه الأرقام، في ظل استمرار ورود تقارير يومية عن جرائم عنف تتصدر الأخبار وتشغل الرأي العام.
ويتزايد شعور المواطنين بالقلق إزاء تدهور الوضع الأمني، ولا سيما أن العديد من جرائم القتل الأخيرة تبدو ناجمة عن خلافات بسيطة بين الشباب. وقد أصبح كثير من الناس يترددون في الخروج ليلًا خشية التعرض لاعتداءات تهدد سلامتهم.
ولا شك أن قوة الشرطة الغامبية تستحق الإشادة لحرصها على إطلاع الرأي العام بانتظام على مستجدات الجرائم. غير أن استعادة ثقة المواطنين تتطلب ما هو أكثر من ذلك. فالأجهزة الأمنية بحاجة إلى موارد كافية، تشمل مركبات للدوريات، ومعدات حديثة، وأعدادا كافية من أفراد الشرطة، حتى تتمكن من الاستجابة الفاعلة للجريمة وتعزيز حضورها الميداني داخل المجتمعات المحلية. ومع أن المفتش العام للشرطة محق في قوله إن الشرطة لا تستطيع أن تكون موجودة في كل مكان وفي كل وقت، فإن تكثيف الدوريات وتوزيعها بصورة استراتيجية من شأنه أن يشكل رادعا قويا للأنشطة الإجرامية.
ولا ينبغي أن يقتصر التعامل مع هذه الظاهرة على الجانب الأمني وحده، بل يتعين على الحكومة أن تكلف بإجراء دراسات علمية شاملة لتحديد الأسباب الحقيقية للارتفاع الملحوظ في الجرائم العنيفة، ووضع سياسات تستند إلى الأدلة لمعالجة جذورها. كما تقع على عاتق الآباء والأمهات مسؤولية أساسية في غرس الانضباط والاحترام والقيم الأخلاقية في نفوس أبنائهم منذ الصغر. وللقيادات الدينية، بدورها، دور محوري في ترسيخ ثقافة السلم، وإدانة العنف، وتعزيز السلوك القويم داخل المجتمع.
ويجب على الحكومة أن تثبت أن الجرائم العنيفة ستُواجَه بتطبيق حازم ومتسق وفي الوقت المناسب لأحكام القانون. والأهم من ذلك، أن تتبنى سياسة عدم التسامح مطلقًا مع الجريمة. وفي هذا السياق، أدعو السلطات إلى رفع الوقف الاختياري الحالي لتنفيذ عقوبة الإعدام في جرائم القتل. فالله سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين، بل هو أرحم بعباده من الأم بولدها، ومع ذلك شرع القصاص ليكون رادعا يحفظ المجتمع ويصون أرواح الأبرياء.
إن التردد في التصدي بحزم لتصاعد الجرائم العنيفة لن يؤدي إلا إلى إزهاق مزيد من الأرواح البريئة، وإلى استمرار تآكل ثقة المواطنين في المؤسسات الأمنية للدولة. لقد حان الوقت لاتخاذ إجراءات جادة وحاسمة.
- Log in to post comments
