باسيديا درامي
في بلد صغير ومتنوع مثل غامبيا، يفترض بالمسؤولين السياسيين، ولا سيما أعضاء الحكومة، أن يتعاملوا بأقصى درجات المسؤولية مع القضايا المرتبطة بالهوية والعرق والانتماء الوطني. ومن هذا المنطلق، ينبغي لوزير الأراضي والحكم المحلي والشؤون الدينية، حمات باه، أن يتحلى بقدر كبير من الحذر في تصريحاته، خصوصا عندما تتناول قضايا يمكن أن تؤجج التوترات القبلية والعرقية.
وقد أثارت تصريحات أدلى بها باه خلال تجمع جماهيري في فارافيني مخاوف جدية، عندما قال إن «أجنبيا لن يحكم غامبيا، ولن تصبح غامبيا مثل لبنان»، في إشارة اعتبرها كثيرون موجهة إلى زعيم حزب UNITE، طالب بنسودا.
وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه: كيف يمكن وصف طالب بنسودا بأنه أجنبي، وهو مولود ونشأ في غامبيا لأبوين غامبيين؟ وكيف يمكن إطلاق هذه الصفة على شخص انتخب مرتين لقيادة أكبر بلدية في البلاد؟
إن استخدام مفردات من هذا النوع في الخطاب السياسي يحمل مخاطر تتجاوز الشخص المستهدف، لأنها قد تفتح الباب أمام نقاشات حساسة حول من هو «الغامبي الحقيقي» ومن يحق له المشاركة في الحياة السياسية، وهي قضايا يمكن أن تكون لها تداعيات خطيرة في مجتمع متعدد المكونات مثل المجتمع الغامبي.
كما أن حمات باه، بحكم موقعه كعضو بارز في مجلس الوزراء، مطالب بمراعاة الأبعاد الدبلوماسية لأي تصريح يصدر عنه. فالإشارة إلى لبنان في سياق الحديث عن هوية من يمكنه حكم غامبيا ليست مسألة داخلية فقط. فلبنان يرتبط بغامبيا بعلاقات تاريخية، كما أن أفرادا من الجالية اللبنانية حصلوا على الجنسية الغامبية وأصبحوا جزءا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.
ويعيد تصريح باه إلى الأذهان أيضا تصريحات الراحل ديمبو بوجانغ، الذي كان يشغل آنذاك منصب الرئيس الوطني لحزب NPP، قبيل الانتخابات الرئاسية لعام 2021، عندما حذر الأقليات العرقية من أن فوز حزب UDP قد يؤدي إلى ترحيلهم.
ومهما كانت الدوافع السياسية وراء مثل هذه التصريحات، فإن توظيف المخاوف المرتبطة بالعرق أو الانتماء في الحملات السياسية قد يؤدي إلى نتائج تتجاوز الحسابات الانتخابية الآنية. فقد يؤثر هذا الخطاب في مواقف بعض الناخبين، لكنه قد يسهم في الوقت نفسه في تعميق الانقسامات وإثارة التوترات في بلد يحتاج إلى خطاب سياسي يعزز التعايش والوحدة الوطنية.
والأهم من ذلك أن مثل هذا الخطاب قد ينقلب في نهاية المطاف على أصحابه، لأن المجتمعات التي تعيش على وقع التوترات السياسية والانتخابية لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تركز على الاختلافات العرقية أو القبلية.
وفي هذا السياق، تبرز أيضا تساؤلات بشأن الشائعات المتداولة حول احتمال منع طالب بنسودا من الترشح للانتخابات، وربط ذلك بما قد يرد في «الكتاب الأبيض» المنتظر للجنة الحكم المحلي من اتهامات بالفساد. ويرى منتقدون أن اللجنة لم تكن سوى وسيلة لاستهداف بنسودا سياسيا. غير أن هذه المزاعم تظل بحاجة إلى أدلة واضحة وموثقة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة قبل صدور الوثائق الرسمية ذات الصلة.
وبالنظر إلى حساسية هذه القضية، فإن مسؤولية القيادة السياسية لا تقتصر على إصدار التصريحات، بل تشمل أيضا الانتباه إلى أثرها على المجتمع. ومن هنا، فإن على الرئيس أداما بارو أن يتعامل بجدية مع أي خطاب يمكن أن يؤدي إلى زيادة التوترات القبلية أو العرقية، خصوصا عندما يصدر هذا الخطاب من أحد أعضاء حكومته وفي حضور الرئيس نفسه.
إن الصمت في مثل هذه الحالات قد يفسر على أنه قبول ضمني بالخطاب أو عدم اعتراض عليه. ولذلك، فإن توضيح موقف القيادة السياسية من الخطابات التي قد تؤجج الانقسامات يصبح أمرا مهما للحفاظ على الثقة العامة وتعزيز الوحدة الوطنية.
- Log in to post comments
